أبي الفدا

15

تقويم البلدان

وأما اليونانيون : فقد انقطع العمران في جانبهم ببحر أوقيانوس ، فلما لم يأتهم خبر إلا من جزائر فيه غير بعيدة عن الساحل ، ولم يتجاوز المخبرون عن الشرق ما يقارب نصف الدور جعلوا العمارة في أحد الربعين الشماليين لا أن ذلك موجب أمر طبيعي ، فمزاج الهواء الواحد لا يتباين ؛ ولكن أمثاله من المعارف موكول إلى الخبر من جانب الثقة ، فكان الربع دون النصف هو ظاهر الأمر ، والأولى بأن يؤخذ به إلى أن يرد لغيره خبر طارئ ، وطول العمارة على ذلك أوفر من عرضها لتعطل العمارة في الشمال بالبرد عند ثلثي ربع الدور بالتقريب . والهند سمّوا بر الأرض بلغتهم سلحفاة من أجل إحاطة الماء بحواشيه وبروزه مقببّا منه ، وخاصّة إذا اعتقدوا أن هذا البارز نصف كرة . قال : وإنما سمي بحر أوقيانوس الغربي محيطا لأن ساحله يأخذ من أقصى المنتهى في الجنوب محاذيا لأرض السودان ، مارا على حدود أودغست ، والسوس الأقصى ، وطنجة ، وتأهرت ، ثم الأندلس وجليقية والصقالبة ، وينعطف إلى العمران من ناحية الشمال ، ويمتد من هناك أيضا وراء الجبال غير المسلوكة والأراضي غير المسكونة من شدة البرد ، ويمر نحو المشرق غير مشاهد ، والبحر الشرقي الذي عنده منتهى العمارة في تلك الناحية غير محصل كتحصيل أوقيانوس ؛ من أجل بعد المشقة وعدم الفوز بمن يتحقق الأمر منه ، ولكنه بالجملة يمتد من الجنوب على مثال أوقيانوس نحو الشمال فيقال : إنه يحد بالممتد وراء ما ذكرنا من الجبال الصردة ، ثم البحر الأعظم في جنوب الربع المسكون متصل بالبحر المحيط الشرقي ، مسمى بما يوازيه في الساحل من الممالك أو حصل فيه من الجزائر ، فيأخذ من أرض الصين إلى الهند إلى الزنج ، وساحله من جانب الشمال ليس بمعمور ، ومن جانب الجنوب غير معلوم ، لم يقف عليه أحد من ركابه ، ولم يخبر بشيء منه سكان الجزائر ، ويدخل من هذا البحر في الحد الشرقي أعباب وألسنة وخلجان معروفة ، وأعظمها خليج فارس : الذي على شرقي مبدئه أرض مكران ، وعلى غربيه : أرض عمان ، ثم